السيد محمد حسين الطهراني
672
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
وقد عاد هؤلاء الأشخاص بعد مدّة بجواب جاء فيه : إنّ الأخلاق والعرفان العمليّ لا حدود لهما ليمكن تجزئتها وتقسيمها وتدريسها ، لذا فإنّ في صالح الحوزة في الوقت الحاضر أن يجري تدريس الحكمة والفلسفة فيها ، وأن يصار إلى تربية تلامذة خبراء ممحّضين في خصوص هذا الفنّ . ومن الواضح أنّ هذا الجواب ليس مُقنعاً ، إذ كما أنّ الفقه والأصول والحكمة والأدب العربيّ لها حدود عند أهل الخبرة فيها ، فإنّ العرفان العمليّ والأخلاق الشهوديّة لها - بدورها - حدود عند أهل الخبرة فيها ، أمّا عند غير ذوي الخبرة فإنّها بأجمعها لا تمتلك حدوداً . وينبغي - لهذا - أن يُبحث عن أهل الخبرة في هذه الأمور ، وأن لا تترك الحوزات - لمثل هذه الأعذار - خالية من علوم خطيرة أساسيّة كهذه العلوم . وعلى أيّة حالٍ ، فإنّ علّة خفاء مطالب أمثال العلّامة وأمثال الگلبايگانيّ ستتّضح بهذه المطالب التي ذكرناها باختصار هنا . المعارف الإلهيّة كالجواهر النفيسة مصونة ومحفوظة عن أنظار الأجانب وهناك أمر آخر جدير بالذكر ، وهو أنّ هذه المطالب قيّمة وثمينة لا تُكتسب بسهولة ، وينبغي على المرء - من أجل الحصول عليها - أن يتحمّل المحن والمصاعب والمتاعب وأن يشدّ إليها الرحال ، لأنّها بمنزلة الجواهر الثمينة التي تحفظ في أعماق الصناديق والخزائن المقفلة لتُصان من التلف والضياع . إنّ المتاع الرخيص يؤتى به إلى السوق فيُنادى عليه : تعالوا ، تعالوا ، اشتروا ، خذوا . . . لدينا بنجر ، لدينا بنجر . إنّ الرجل يأتي بالبنجر وقد صبّه في عربته الخشبيّة فينادى عليه صباح أيّام الشتاء القارس في رأس الزقاق وفي السوق ويدور به على أبواب البيوت : لديّ بنجر للفطور ! ويصرّ على أن يشتروا منه شيئاً ويسعى